في عيدها المئة أسكتت أجراسَها يدُ الحقد والقتل. في عيدها المئة أُطلق العنان لماردٍ ملعونٍ هو مارد الحروب اللبنانية التي لم توفّر معبداً ولا مشفاً ولا منزلاً آهلاً بأبٍ وأمٍ وأبناء. كان ذلك عام ١٩٧٥، وها هي اليوم تنفض عنها ذكريات تلك السنين الأليمة التي عاثت في جسدها المقدّس دماراً وخراباً. هي التي أرادت أن تكون جسر لقاء ومحبة وسلام في قلب العاصمة بيروت، مدينة الحياة والعلم والإيمان الحرّ بالله الواحد الأحد. هي كنيسة مار منصور في وسط المدينة وقد قررت اليوم أن تنزع عنها لباس الموت وتلبس حلّة القيامة. كيف لا وهي تحتفل بالعيد المجيد، عيد ولادة المسيح المخلّص، الفادي المنتصر على أمير الموت والظلام.
ستٌ وثلاثون عاماً كانت ضرورية ليعزم القيّمون على الكنيسة على إعادة النبض إلى قلبها المطعون بحربةٍ. المبادرة أتت من جمعية «مار منصور دي بول» (www.stvincent-lb.org) التي احتفلت العام الماضي بالذكرى المئة والخمسين لوجودها في لبنان. وقد تداعى أعضاؤها والأصدقاء للاحتفال بالذبيحة الالهية يوم عيد الميلاد في الساعة السادسة والنصف من نهار الأحد الواقع في ٢٥ كانون الأول من العام ٢٠١١.
شعورٌ غريبٌ يختلجُ قلوبَ المشاركين. إنهم كمن يقفز بالزمنِ إلى أيام الحرب الرديئة التي لم تلتئم جراحها بأكملها بعد. الناس تتبادل أطراف الحديث من هنا وهناك بانتظار وصول الكاهن المحتفل. الكلّ متحمّس ومترقّب في نفس الوقت. ليست سوى دقائق معدودة حتى انطلقت ترتيلة الدخول معلنة بدء القدّاس ليتحوّل معها الترقّب إلى خشوع والحماس إلى صلاة تغذيهما هذه المناسبة المزدوجة الأهمية: قداس ميلاد الربّ يسوع وقيامة الكنيسة نفسها من تحت ركام الحرب.
وسط حيطانٍ لا زالت تحملُ في جسدها الهزيل آثارَ الرصاصِ والقذائف، وفي ظلّ غطاءٍ من توتياء وُضع خصيصاً للمناسبة بعد أن تناثر سقف الكنيسة بالكامل احتفل الأب زياد حداد، رئيس دير وبازيليك الأيقونة العجائبية للآباء اللعازريين في الأشرفية، بالذبيحة الالهية حسب الطقس اللاتيني. تعلو المذبح المكوّن من طاولاتٍ بسيطة تختبئ تحت شرشف القدّاس الأبيض صورةٌ كبيرةٌ للطوباوي فريديريك أوزانام مؤسس جمعية "مار منصور دي بول" في فرنسا عام ١٨٣٣.
على اليمين تمثالٌ للقديس منصور دي بول يقف مبارِكاً الجمع المحتفل بالقداس. شدد الأب حداد في عظته على ضرورة تحويل الذكرى السنوية لعيد الميلاد إلى حدثٍ آنيٍ يتجسّد فيه المسيح في قلوب المؤمنين فتحوّل حياتهم إلى شاهدٍ لعمله الخلاصي وتثمر آياتٍ حيّة تخبر عظمة الربّ. وختم الأب حداد تأمله بالتأكيد على أن الربّ يسوع تجسّد ليمنحنا الحياة، هو الذي أعدّ للجميع منازلاً كثيرة عند أبيه السماوي.
ولكي تكتمل فرحة المصلّين، زائر مميّز أطلّ قبيل انتهاء القدّاس. إنه السفير البابوي في لبنان غبرياللي كاكيا أتى ليشاهد المغارة المشيّدة داخل الكنيسة فإذا به يتفاجئ بالذبيحة الالهية ويقرر الانضمام إلى المصلّين وسط دهشة وسرور الجميع. وبعد كلمة عفوية القاها بناء على طلب البعض ها هو يلقي ختاماً البركة الرسولية باللغة اللاتينية واعداً أعضاء جمعية "مار منصور دي بول" بترأس قدّاس اختتام المغارة يوم السادس من كانون الثاني من العام الجديد الساعة السادسة والنصف مساءً.
يبقى أنّ الكنيسة بحاجة ماسّة لتبرعات المحسنين من أجل إعادة إعمارها والعودة بها قلباً نابضاً شاهداً ليسوع المسيح في قلب بيروت ولبنان.



